عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

116

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

فَهذا يَدُوسُ وَهذا يُدَاسُ * كذَاك لَعَمْري خِلافُ الأمُورِ وَأعْجَبُ مِنْ ذَا وذَا أنَّنا * نُبايِعُ لِلطّفلِ فِينا الرَّضيعِ وَمَنْ ليسَ يُحْسِنُ غسْلَ اسْتُهِ * وَلم يَخلُ مِنْ بولِهِ حِجْرُ ظِيرِ « 1 » وَما ذاك إلّا بِفَضْلٍ وَبَكرٍ * يُريدانِ طَمْسَ الكتابِ المُنيرِ وما ذانِ لولا انقْلابُ الزَّما * نِ فِي العيرِ هذانِ أوْ في النَّفيرِ « 2 » وعلى هذا الأساس وصف نكلسون نظام الحكم العباسي بأنّه نظام استبدادي كان مألوفاً عند الفرس منذ أيّام داريوش ، وأنّ العباسيين حكموا البلاد حكماً مطلقاً على النحو الذي كان يحكم به ملوك آل ساسان قبلهم . « 3 » والملاحظة الهامّة هي أنّ أولئك الشعراء الذين أتينا بمقطوعات من شعرهم كانوا يمثّلون دوراً ضئيلًا في الهجاء السياسي ، بينما كان والسيد الحميري ، ودعبل الخزاعي ، وديك الجنّ يمثّلون الجبهة الرئيسة في هذا الغرض ، وهذا ما سنعرض له في هذا الباب والفصول التالية . بواعث الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة في العصر العباسي الأول استفحل الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة في هذا العصر لأسباب عديدة أهمّها ما تأتي : الأول : امّتدت مسألة الخلافة إلى هذا العصر وكثيراً ما كان الشعراء يتناولونها بالنقد والدراسة ووقفوا مواقف شتّى فيمن أحقّ بها ، وكان قصب السّبق في هذا المضمار لشعراء الشيعة وخاصّةً دعبلًا والسيد الحميري . الثاني : كان التحضّر في العصر العباسي الأول مقروناً بالانحراف الاجتماعي حيث وصل الترف إلى ذروته ممّا أدّى إلى نشر الانحراف في ممارسة الفساد الجنسي والخمر واللّهو بعامّة حتّى تحوّل المجتمع العباسي إلى مسخٍ لا يعنى إلّا بالحاجات البهيمية .

--> ( 1 ) - حجر ظير : أراد حجر المرضعة ، لأن الظؤورة تعني المرضعة ( انظر : لسان العرب مادة ظأر ) . ( 2 ) 2 - العِير : ما جُلِبَ عليه الطّعام من قوافل الإبل والبغال والحمير . وفي المثل : فلان لا في العير ولا في النفير : يضرَب للرجل الصّغير القدر المستهان به . ( 3 ) - انظر : نيكلسون ، ص 256 .